
بداية جديدة
بقلم الكاتبة/ نجوي رضوان
(نجاح رضوان)
المسافةَ الزمنيةَ التي نُسميها “عاماً واحداً” قد تبدو في تقويمِ الأيامِ مجردَ رقمٍ عابرٍ لا يُحدثُ فارقاً جلياً في ملامحنا الخارجية، ولا يضيفُ إلى أعمارِنا سوى وحدةٍ حسابيةٍ ضئيلة. إلا أنَّ الحقيقةَ المستترةَ خلفَ ستائرِ الأيامِ تخبرنا بشيءٍ أعظم؛ فهذه السنةُ الواحدةُ قادرةٌ على أن تُلقي بظلالِها على الروح، فتثقلها بوقارِ السنينِ وخبرةِ العقود. هي ليست مجردَ ثلاثمائةٍ وستينَ يوماً، بل هي رحلةٌ شعوريةٌ قاسية، نخرجُ منها وفي جعبةِ أرواحنا من الثقلِ ما لا تطيقُ الجبالُ حملَه، وكأننا عبرنا فوقَ جسرٍ من التجاربِ جعلَنا نهجرُ ذواتنا القديمة بلا عودة.
خلالَ هذه الدورةِ الزمنيةِ القصيرة، تخضعُ قناعاتُنا الراسخةُ لزلزالٍ من التشكيك؛ فكم من فكرةٍ حملناها يوماً كحقيقةٍ مطلقةٍ لا تقبلُ الجدل، وجدناها الآن تذبلُ كأوراقِ الخريفِ تحتَ وطأةِ الوعيِ الجديد. نكتشفُ في أنفسنا قوةً لم نكن نعهدها، تجعلنا نتخلى ببرودٍ مذهلٍ عن أشياء، وأشخاص، وأحلامٍ، كنا نظنُّ يوماً أنَّ فراقَها هو مرادفٌ لانتهاءِ الحياة. لكنَّ العامَ مضى، وعلمنا أنَّ التخلي ليس دائماً خسارة، بل هو أحياناً ضرورةٌ للبقاء، وأنَّ الفراقَ الذي خشيناهُ كان في جوهرِه تحرراً من قيودٍ لم نكن نراها.
إنَّ السنةَ الواحدةَ كفيلةٌ بأن تجعلنا نكبرُ في صمتٍ مطبق، بعيداً عن ضجيجِ الاحتفالاتِ وتظاهراتِ النمو. ننضجُ خلفَ الأبوابِ الموصدة، فنصبحُ أقلَّ اندفاعاً تجاهَ صراعاتِ الحياة، وأكثرَ فهماً لتعقيداتِ النفسِ البشرية. ندركُ بمرارةٍ عذبةٍ أنَّ بعضَ الخساراتِ التي أوجعتنا لم تكن عقاباً، بل كانت “تربيةً” قاسيةً من الأقدار، صقلت فينا الصبرَ وأدبت فينا الأنا. نوقنُ أخيراً أنَّ تلك النهاياتِ التي مزقتنا لم تكن سوى مخاضٍ عسيرٍ لولادةِ “النضج”، تلك البداية المؤلمة التي لا تأتي إلا بعدَ أن ننزفَ الكثيرَ من براءتنا القديمة.
ومع انقضاءِ آخرِ ساعاتِ ذلك العام، نلتفتُ إلى الوراء لنجدَ أنفسنا قد أصبحنا أشخاصاً آخرين؛ ملامحنا هادئةٌ كسطحِ بحرٍ بعدَ العاصفة، لكنَّ قلوبنا باتت أثقلَ بما تحملهُ من أسرار، وعقولنا أعمقَ وعياً بما يكمنُ خلفَ الكلماتِ وبما يظلُّ عالقاً في منطقةِ “ما لا يُقال”. لقد علمنا العامُ أنَّ الصمتَ أحياناً يكونُ أبلغَ من الكلام، وأنَّ الوقارَ الحقيقيَّ يكمنُ في تلك الروحِ التي خاضت معاركها الخاصة وخرجت منها، ليست منتصرةً بالضرورة، بل “مُدركة” وبصيرة.





